مصارعة النوبة.. مشجعين وحكام واتحاد..تستهوي كل القبائل..
حول حلبة بميدان سوق (6) بالحاج يوسف عصر كل يوم جمعة.. تتعالى صيحات مشجعي مصارعة أبناء النوبة.. بينما يتعارك المتصارعان.. وفي لمحة خاطفة يطوح أحد المصارعين بحركة مروحية مسقطا غريمه المصنف أرضا.. مما يؤجج حماس الجمهور أكثر فأكثر..
غالبية جمهور حلبة المصارعة بميدان سوق (6) وتتراوح أعدادهم ما بين (700 – 900) مشجع يأتون لتشجيع المصارعين من جميع قبائل السودان مما جعل المصارعة النوبية تتحول من رياضة خاصة بالإثنية النوبية ذات الجذور الإفريقية إلى رياضة عامة يقبل عليها السودانيون من مختلف القبائل .
ويقول المصارع النوبي تيه كوكو إن المصارعة هي من تراث النوبة ورمز البطولة والرجولة.
ويتفق معه محمود خير السيد رئيس نادي صقر الباز للمصارعة السودانية، بالقول: (المصارعة هي تراث لأهل ومواطني جبال النوبة، وتعتبر نوعا من الفروسية لذلك يتم تدريب الفارس المصارع بشكل خاص).
رياضة الهوية
ويرى الباحث السوداني الصادق محمد سليمان أن (المصارعة النوبية هي أثر باق لحالة الحرب والقتال التي كابدتها أعراق المنطقة في زمان غابر، وعندما انتقل النوبيون من موطنهم الأصلي بجنوب كردفان إلى مدن الشمال السوداني الأوسط، استمروا في ممارسة المصارعة كرياضة مميزة لهم، في عصر يومي الجمعة والأربعاء من كل أسبوع، وتمثل المصارعة الرمز الذي يشدهم إلى الموطن القديم والقرية).
وفي عهد محمود حسيب مدير مديرية كادوقلي النوبية عام 1977، دخلت تلك الرياضة المحافل الدولية والإقليمية، وقد حصد مؤخرا بعض أبطالها الميداليات الذهبية في دورة سيول للألعاب الشعبية.
وتجمع الأصول العرقية بين نوبة شمال السودان وصعيد مصر ونوبة جنوب كردفان- التي تقع جنوب أواسط السودان- رغم التباين المعاصر في اللون والسمات الظاهرية، ويقول علماء لغويات إن الدراسات أثبتت أن لغتي النوبة هنا وهناك تعودان لجذر لغوي واحد.
تيبنيه.. واجي..
(تيبنيه.. واجي.. سكا كداد) هي أسماء المصارعة النوبية عند نوبة كادوقلي والمنطقة الشرقية من جبال النوبة وشمال السودان على التوالي، والتي تدار رحاها غالبا في حلبتها الشهيرة بمنطقة الحاج يوسف، أو في الحلبات الفرعية في أم درمان.
ولا تتجاوز جولة المصارعة 5 دقائق، يجب على المصارع خلالها إلقاء خصمه على الأرض، وإلا احتسب الحكم الجولة تعادلية، ولا يعطي طاقم التحكيم درجات على المهارات التي يظهرها المصارعون في حالة التعادل، لأنها في الغالب لا تحظى إلا بمناوشات يغلب عليها الحذر والكر والفر.
وعن تقاليدها في موطنها الأصلي، جبال النوبة يقول خير السيد: "تتم المبارزة بشكل تقليدي عشوائي بين أبناء المنطقة الواحدة قبل موسم الحصاد كنوع من التمارين والإعداد، أمّا في موسم الحصاد فتتم المبارزة بين فرسان منطقة مع فرسان منطقة أخرى"، ويكون ذلك خلال شهري أكتوبر ونوفمبر من كل عام.
ويضيف: (وللمصارعة 3 تصنيفات هي شبل ومتوسط وفارس، وتعد لدى النوبة لازمة للذكر لينتقل من مرحلة اليفاعة والطفولة للقوة والرجولة، ويتقن النوبي المصارعة على يد خبير يسمى بـ(السّبَّاري)، كما يتولى تنظيم مباريات المصارعة).
ويستطرد: (ولكن قبيلة الحوازمة العربية التي تُعلي من شأن الشعر أضافت للسباري مهمة جديدة في المصارعة، وهي إنشاد الشعر أثناء المباراة).
ويكة.. تايتنك.. النهب المسلح
ويشتهر لاعبو المصارعة النوبية بألقابهم الغريبة، التي يطلقونها على أنفسهم أو يطلقها عليهم الجمهور، ويضم فريقي (البركان) و(صقر الجديان) الشهيران عددا من هؤلاء مثل: مكي كاتيوشا، وبدر الدين مروحة، والطلقة النارية، والسخلة (صغير الماعز)، والتيكو.
ومن أغرب الألقاب كذلك الفارس الشهير بـ(النهب المسلح) نظرا لقوته الضاربة والخاطفة التي تشبه مليشيات النهب المسلح، وهناك "السياحي" الفارس الذي يتميز بأناقة الأماكن السياحية، وبشير شلاقة، و(تايتنك) الذي يشبهونه بالسفينة الشهيرة، و(الدفاع الشعبي)، و(الحبة السوداء) الذي هو دواء لكل داء بين المصارعين.
ويعتبر اسم (ويكة لايوقة)، من الأسماء الأكثر تميزا بين فرسان حلبة الحاج يوسف، ويعتبر الفارس (حقار أب جاكوما) أشهر مصارعي جبال النوبة الآن.
11 فريقا بالاتحاد
وللمصارعة طقوس وتقاليد وأدبيات، ينبغي على الفارس الالتزام بها وهو ينازل خصمه في الحلبة، فالنصر أمنية عزيزة ولكن ترتفع أسهمه كلما كانت الأخلاق تزينه، بحسب مسئول الإعلام بالاتحاد العام للمصارعة السودانية، الذي يقول "اللاعب الذي يخرق قوانين اللعبة تشهر في وجهه البطاقة الصفراء ثم الحمراء".
ويصف جمهور حلبة الحاج يوسف الفارس (صالح الفكي التوم) بأنه (أبوتريكة) الحلبة، لـ"أخلاقه الرفيعة وحضوره الجماهيري القوي، وتقبل النقد والهزيمة بصدر رحب واحترامه الخصم، وهو ما يجعله يحظى بحب الجمهور من مختلف الاتجاهات".
ويعد صالح الشهير بـ(ويوي) الذي انخرط في هذا المضمار منذ عام 1967 أشهر المشجعين للمصارعة النوبية، ويخبر عنه مسئول الإعلام بالاتحاد قائلا: "صالح يتبرع في الغالب بوجبات الفرسان الغذائية بالإضافة إلى تخصيصه (تمنة) لبن -قدر يتسع لثمانية أرطال من اللبن- لأحد الفرسان، عقب كل مباراة".
وأسس الاتحاد العام للمصارعة السودانية منذ عام 1967م، وهناك أكثر من 11 فريقا بالاتحاد يتكون كل منها من 30 لاعبا كحد أقصى، ولكن اللعبة لم تحظ بانتشار وجماهيرية إلا في السنوات العشر الأخيرة.